أبي منصور الماتريدي

501

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - الراوندي ليعارض بها دعوى رسالة سيد العالم محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ لو كانت متواترة كما تدعون لنقلت إلينا من أحباركم الذين أسلموا وهم أعرف الناس بهذه الشريعة ككعب الأحبار وابن سلام ووهب بن منبه وغيرهم . وما زعموا أن في التوراة : ( تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض ) فمدفوع بأنه لا تواتر في التوراة الكائنة الآن لاتفاق أهل النقل على إحراق بختنصر أسفارها وأنه لم يبق من يحفظها ، بل ذكر أحبارهم أن عزيرا ألهمها فكتبها ودفعها إلى تلميذ ليقرأها عليهم فأخذوها من التلميذ ) وبخبر الواحد لا يثبت التواتر ، وبعضهم زعم أن التلميذ زاد فيها ونقص فكيف يوثق بما هذا سبيله ، ولذا لم تزل نسخها الثلاث التي بأيدي النيافة ، والتي بأيدي السامرية ، والتي بأيدي النصارى مختلفة في أعمار الدنيا وأهلها ، ففي نسخة السامرية زيادة ألف سنة وكسر على ما في نسخة النيافة . وفي نسخة النصارى زيادة ألف سنة وثلاثمائة وفيها الوعد بخروج المسيح وبخروج العربي صاحب الجمل وارتفاع تحريم السبت عند خروجهما ، على أن السامرية أنبأت بأن من هبوط آدم عليه السلام إلى الطوفان ألف سنة وثلاثمائة وسبع سنين . وأنبأت البدانية وهي التي بأيدي اليهود إلى زماننا بأن بين هبوط آدم والطوفان ألف سنة وخمسمائة وستا وخمسين سنة وهو باطل باتفاق ، وأيضا لو كانت هذه النقول صحيحة لكانت أقوى دليل يتمسكون به في محاجة الرسول ومعارضته في زمنه عليه الصلاة والسلام . وأيضا يقال لهم : ( كيف تدعون التواتر وأنتم مختلفون في متن الحديث ؛ فإن منكم من قال : الحديث ( إن أطعتموني كما أمرتكم به ونهيتكم عنه ثبت ملككم كما ثبتت السماوات والأرض ) وليس في ذلك ما يدل على إحالة النسخ ، على أننا لو سلمنا لهم صحة ما نقلوه فيحتمل أنه أراد من الشريعة التوحيد ، ويحتمل أنه أراد بقوله : ( مؤبدة ) ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر . ومع احتمال هذه التأويلات فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبي صلى اللّه عليه وسلم من المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم ، كيف وأن لفظ التأبيد قد ورد في التوراة ولم يرد به الدوام ؛ كقوله : ( إن العبد يستخدم ست سنين ثم يعتق في السابعة فإن أبى العتق فلتثقب أذنه . . . ) وكقوله في البقرة التي أمروا بذبحها : ( هذه سنة لكم أبدا . . . ) وكقوله : ( قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما ) . حجة أبي مسلم في عدم الوقوع والرد عليها : هي أن القرآن جاء موصوفا بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلو نسخ بعضه لتطرق إليه البطلان . أجاب البيضاوي وغيره بأن الضمير لمجموع القرآن ومجموع القرآن لا ينسخ اتفاقا . وأجاب في المحصول بأن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعد ما يبطله . وأجاب غيرهما بأن النسخ إبطال لا باطل فإن الباطل ضد الحق . من هذا الدليل يتضح لنا جليّا أن أبا مسلم لم ينكر وقوع النسخ إلا في القرآن فقط وهو الذي حكاه الإمام الرازي وأتباعه عنه ، وحكى الآمدي وابن الحاجب إنكاره وقوع النسخ مطلقا ، وقيل : أنكره في شريعة واحدة ، وقيل : لم ينكر وقوعه وإنما سماه تخصيصا لأنه قصر للحكم على بعض الأزمان فهو كالتخصيص في الأعيان . والتحقيق أن الخلاف بيننا وبينه لفظي ؛ إذ لا يتصور من مسلم آمن بالله وملائكته وكتبه إنكار النسخ لكونه من ضروريات الدين ضرورة ثبوت نسخ بعض الأحكام في الشرائع السابقة بالأدلة القاطعة على حقيقة شريعتنا ، ونسخ بعض أحكام شريعتنا بالأدلة القاطعة من شريعتنا ، والذي -